الراغب الأصفهاني
32
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية كالملائكة الباعثة للرياح والمزجية للسحاب الموصوفين بقوله تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً . وقوله عز وجل وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً . وضرب إليهم تدبير الأرض كالموصوفين بقوله تعالى ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) . وكمن وصفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صفة الجنين انه يبعث ملكا فينفخ فيه الروح وكالحفيظ والرقيب والعتيد وكمن وصفهم اللّه بقوله : ( أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) . والثالث أفعال سخر اللّه تعالى لها الأركان وموجودات العالم كالاحراق والإذابة للنار والترطيب للماء وفي الجملة ما قد سخر تعالى له شيئا فشيئا من الجمادات والناميات وغير ذلك ونبه عليه بقوله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) . وغير ذلك من الآيات المذكورة والرابع الصناعات والمهن المحسوسة التي استعبد الانسان فيها واستخلفه وهي الأشياء التي يحتاج صناعة أكثرها إلى ستة أشياء إلى عنصر تعمل منه وإلى مكان وإلى زمان وإلى حركة وإلى أعضاء وإلى آلة وهذا الضرب خص الانسان به ولم يستصلح له الملائكة وجعل لكل من الملك مقاما معلوما كما نبه عليه تعالى بقوله : ( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) . وكذلك جعل لكل نوع من الناس مقاما معلوما كما نبه عليه بقوله : ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) وقوله : ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كلّ ميسر لما خلق له . ولكن عامة الملائكة لم يعصوا اللّه فيما أمرهم كما وصفهم تعالى بقوله : ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) * والناس فيما أمروا به وكلفوه بين مطيع وعاص فهم على القول المجمل ثلاثة أضرب : ضرب أخلوا بأمره وانسلخوا عما خلقوا لأجله